بعد نجاح «شهر زيّ العسل»… تعاون جديد بين إيلي السمعان ونور الغندور يعكس تحوّلات السينما العربية على نتفليكس
![]() |
| بعد نجاح «شهر زيّ العسل»… تعاون جديد بين إيلي السمعان ونور الغندور |
لم يعد الخبر المتعلّق بإطلاق فيلم عربي جديد على منصة عالمية مثل نتفليكس مجرّد حدث فني عابر، بل أصبح مؤشرًا على تحوّل أعمق يطال بنية الصناعة السينمائية العربية برمّتها. ففي السنوات الأخيرة، باتت المنصّات الرقمية لاعبًا رئيسيًا في إعادة تشكيل طرق الإنتاج، وأساليب السرد، وحتى طبيعة النجومية. ضمن هذا السياق، يأتي الإعلان عن تعاون جديد بين المخرج إيلي السمعان والممثلة نور الغندور في فيلم «أحبك من زمان» ليعيد تسليط الضوء على تجربة سابقة ناجحة، هي فيلم «شهر زيّ العسل»، الذي شكّل محطة مفصلية في مسار الطرفين، وفتح بابًا واسعًا أمام السينما العربية الرومانسية الكوميدية للوصول إلى جمهور عالمي. هذا العمل الجديد لا يُقرأ فقط بوصفه امتدادًا لنجاح سابق، بل كجزء من مسار تحوّلي أوسع، يفرض إعادة التفكير في علاقة الفن العربي بالمنصّات العالمية، وفي طبيعة القصص التي تُروى، والرهانات الإنتاجية المصاحبة لها المزيد من الاخبار
نجاح «شهر زيّ العسل» كنقطة تحوّل في السينما العربية
الفيلم قدّم نموذجًا مختلفًا عن الصورة النمطية للأفلام العربية، مبتعدًا عن الميلودراما الثقيلة أو الطرح الوعظي، ومركّزًا على علاقة إنسانية يومية يمكن لأي مشاهد أن يتماهى معها. هذا الطرح البسيط، المدعوم بإخراج متوازن وأداء تمثيلي مقنع، ساهم في تعزيز حضوره على المنصّة، ودفع به إلى قوائم المشاهدة الأولى في عدد من البلدان.
الأهم من ذلك، أن «شهر زيّ العسل» أعاد طرح سؤال قديم جديد حول قدرة السينما العربية على المنافسة عالميًا، ليس عبر تقليد النماذج الغربية، بل من خلال تقديم قصص محلية بروح عالمية. ومن هنا، يمكن اعتبار الفيلم نقطة تحوّل، ليس فقط في مسيرة صنّاعه، بل في نظرة المنصّات العالمية إلى المحتوى العربي، التي باتت أكثر استعدادًا للاستثمار في مشاريع جديدة تستند إلى نجاحات مثبتة.
إيلي السمعان… إخراج يقوم على الاقتصاد السردي
يتميّز إيلي السمعان بأسلوب إخراجي يعتمد على ما يمكن تسميته بـ«الاقتصاد السردي»، حيث لا مكان للتفاصيل الزائدة أو المشاهد الاستعراضية غير الضرورية. في أعماله، تبدو القصة دائمًا في الصدارة، بينما تُوظَّف العناصر التقنية لخدمتها لا للتفوّق عليها. هذا النهج ينسجم إلى حدّ كبير مع متطلبات المنصّات الرقمية، التي تفرض إيقاعًا مختلفًا عن السينما التقليدية.
في «أحبك من زمان»، يُتوقّع أن يواصل السمعان هذا التوجّه، من خلال قصة تركّز على التحوّلات النفسية للشخصيات، وعلى التوترات الداخلية التي تنشأ نتيجة المشاعر المؤجّلة. هذا النوع من القصص يتطلّب حساسية إخراجية عالية، وقدرة على إدارة الأداء التمثيلي بدقّة، وهي عناصر سبق أن أثبت السمعان كفاءته فيها.
تراكم التجربة لدى المخرج، خصوصًا في التعامل مع الإنتاجات الموجّهة للمنصّات العالمية، يجعله في موقع يسمح له بتقديم عمل متوازن، لا يفرّط في الخصوصية الثقافية، ولا يتجاهل في الوقت نفسه متطلبات الجمهور العالمي. هذا التوازن يشكّل أحد أبرز التحديات أمام صناع السينما العربية اليوم.
نور الغندور… من نجومية محلية إلى حضور عابر للحدود
تمكّنت نور الغندور خلال السنوات الماضية من بناء مسار مهني تصاعدي، انتقلت فيه من أدوار تلفزيونية ناجحة إلى المشاركة في أعمال سينمائية ذات انتشار واسع. هذا التحوّل لم يكن عفويًا، بل نتيجة خيارات مدروسة، تراعي طبيعة السوق، وتستجيب لتحوّلات الذائقة الجماهيرية.
في فيلم «أحبك من زمان»، تؤدي الغندور دورًا محوريًا في قصة تعتمد على الصراع الداخلي أكثر من الأحداث الخارجية، وهو ما يمنحها مساحة أوسع لتقديم أداء تمثيلي قائم على التفاصيل النفسية. هذا النوع من الأدوار يعكس رغبة الممثلة في الخروج من القوالب التقليدية، والمشاركة في أعمال تتيح لها تطوير أدواتها الفنية.
كما أن حضورها في إنتاجات نتفليكس يساهم في تعزيز صورة المرأة العربية على المنصّات العالمية، بوصفها شخصية مركّبة وقادرة على قيادة السرد، بعيدًا عن الصور النمطية السائدة. هذا البعد يمنح مشاركتها في الفيلم بعدًا ثقافيًا يتجاوز الإطار الفني البحت.
«أحبك من زمان»… قصة التوقيت والاختيارات العاطفية
ينطلق فيلم «أحبك من زمان» من فكرة بسيطة في ظاهرها، لكنها غنية بالدلالات: ماذا يحدث عندما نكتشف مشاعرنا بعد فوات الأوان؟ إعلان خطوبة الصديق المقرّب يشكّل لحظة صادمة للشخصية الرئيسية، ويدفعها إلى إعادة قراءة ماضيها وعلاقاتها، وإلى مواجهة أسئلة لم تكن مطروحة من قبل.
القصة تلامس موضوعات شديدة الحساسية، مثل الخوف من خسارة الصداقة، والتردّد في الاعتراف بالمشاعر، والضغوط الاجتماعية المرتبطة بالزواج. هذه العناصر تجعل الفيلم قريبًا من تجارب الكثيرين، وتمنحه قدرة على التواصل مع جمهور واسع.
اختيار هذا النوع من السرد يعكس توجّهًا متزايدًا في السينما العربية نحو القصص الإنسانية الصغيرة، التي تحمل في طيّاتها أسئلة كبرى عن الحب والتوقيت والاختيار.
Eagle Films ونتفليكس… شراكة تعيد رسم خريطة الإنتاج
تلعب شركة Eagle Films دورًا محوريًا في هذا المشروع، بوصفها إحدى أبرز شركات الإنتاج في المنطقة، التي نجحت في بناء شراكات استراتيجية مع منصّات عالمية. هذا النموذج الإنتاجي يوفّر للأعمال العربية موارد تقنية وتسويقية أكبر، ويمنحها فرصة للوصول إلى جمهور عالمي.
من جهتها، تواصل نتفليكس توسيع استثماراتها في المحتوى العربي، إدراكًا منها لأهمية هذا السوق، وقدرته على تقديم قصص جديدة ومختلفة. ويأتي فيلم «أحبك من زمان» ضمن هذا التوجّه، بوصفه عملًا يوازن بين الخصوصية المحلية والطرح العالمي،.
لا يمكن النظر إلى فيلم «أحبك من زمان» بمعزل عن السياق الأوسع الذي تتحرّك فيه السينما العربية اليوم. فهو ليس مجرّد عمل رومانسي جديد، بل جزء من مسار تحوّلي يعكس نضج التجربة، وتزايد الثقة بالمحتوى العربي على المنصّات العالمية. وبين نجاح سابق وتوقّعات مستقبلية، يبقى الرهان الأساسي على قدرة الفيلم في تقديم قصة صادقة، قادرة على لمس وجدان المشاهد، وترسيخ موقع السينما العربية في المشهد العالمي المتغيّر.
